مصطفى صادق الرافعي

161

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

من ذلك لفظة ( النذر ) جمع نذير ؛ فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا ، فضلا عن جسأة هذه الحرف ونبوة في اللسان ، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام . فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه ؛ ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ، فتأمل هذا التركيب ، وأنعم ثم أنعم على تأمله ، وتذوق مواقع الحروف وأجر حركاتها في حس السمع وتأمل مواضع القلقلة في دال ( لقد ) ، وفي الطاء من ( بطشتنا ) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ( تماروا ) ، مع الفصل بالمد ، كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جزت على اللسان ، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد ، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة . ثم ردّد نظرك في الراء من ( تماروا ) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء ( النذر ) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها ، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه ، ثم أعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون ( أنذرهم ) وفي ميمها ، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذال في ( النذر ) . وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به ، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة ، ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم فيه النظر وأحكمته الروية وراضه اللسان ، وليس منها إلا متخيّر مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات ، وأين هذا ونحوه عند تعاطيه ومن أي وجه يلتمس وعلى أي جهة يستطاع ، وكيف يأتي للإنسان في مثل تلك الآية وحدها - فضلا عن القرآن كله - وهو لا يكون إلا عن نظر وصنعة كلامية ؟ والبليغ من الناس متى اعتسف هذا الطريق ولم يكن في الكلام إلى سجيّته وطبعه فقد خذلته البلاغة واستهلكته الصنعة ، وضاق به التصرّف وتناثرت أجزاء كلامه من جهاتها ، وكلما لج في المكابرة لجت البلاغة في الإباء ، فمثله كمن يمشي مستديرا ويحسب أنه يتقدم ، لأنه - زعم - لم يحرف وجهه ولم ينفتل عن قصده ، ولأن نظره ما يزال ثابتا فيما يستقبله ! . إنما تلك طريقة في النظم قد انفرد بها القرآن ، وليس من بليغ يعرف هذا الباب إلا وهو يتحاشى أن يلم به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها ، فإن اتفق له شيء منه كان إلهاما ووحيا ، لا تقتحم عليه الصناعة ولا يتيسر له الطبع بالفكر والنظر ، وكان مع ذلك لا يخلو من التواء ومن مغمز ، على أنه يكون جملة من فصل أو عبارة من جملة أو بيتا من قصيدة أو شطرا من بيت ، لا يطرد ولا يستوي وليس إلا أن يتفق اتفاقا ؛ إما أن يتهيأ لأحد من البلغاء في عصور العربية كلها من معارض الكلام وألفاظه ، ما يتصرف به هذا التصرف في طائفة أو طوائف من كلامه ، على أن يضرب بلسانه ضربا موسيقيا ، وينظم إعجاز القرآن / م 12